أبو حامد الغزالي
288
تهافت الفلاسفة
فقول القائل : يقال له : كن ، فيكون ، غير معقول ، إذ التراب لا يخاطب ، وانقلابه إنسانا ، دون تردده في هذه الأطوار ، محال ، وتردده في هذه الأطوار ، دون جريان هذه الأسباب ، محال ، فيكون البعث محالا . * * * الاعتراض : أنا نسلم أن الترقي في هذه الأطوار ، لا بد منه ، حتى يصير بدن إنسان كما لا بد منه حتى يصير الحديد عمامة ، فإنه لو بقي حديدا لما كان ثوبا ، بل لا بد أن يصير قطنا ، مغزولا ، ثم منسوجا ، ولكن ذلك في لحظة ، أو في مدة ، ممكن ، ولم يبين لنا أن البعث يكون في أدنى « 1 » ما يقدر ، إذ يمكن أن يكون جمع العظام ، وإنشاز اللحم . وإنباته ، في زمان طويل ، وليس المناقشة فيه . وإنما النظر في أن الترقي في هذه الأطوار ، يحصل بمجرد القدرة ، من غير واسطة ، أو بسبب من الأسباب ، وكلاهما ممكنان عندنا ، على ما ذكرناه في المسألة الأولى ، من الطبيعيات عند الكلام على إجراء العادات . وأن المقترنات في الوجود ، اقترانها ليس على طريق التلازم ، بل العادات يجوز خرقها ، فتحصل بقدرة اللّه تعالى هذه الأمور ، دون وجود أسبابها . وأما الثاني « 2 » ، فهو أن نقول : ذلك يكون بأسباب ، ولكن ليس من شرطه ، أن يكون السبب ، هو هذا المعهود . بل في خزانة المقدورات ، عجائب وغرائب ، لم يطلع عليها . ينكرها من يظن . أن لا وجود إلا لما شاهده ، كما ينكر طائفة . السحر ، والنار فجات . والطلسمات . والمعجزات ، والكرامات وهي ثابتة - بالاتفاق - بأسباب غريبة . لا يطلع عليها .
--> ( 1 ) في الأصل « أوحى » . ( 2 ) مر قوله إن الترقي في هذه الأطوار يمكن أن يكون بغير سبب ، ويمكن أن يكون بسبب ، ولم يحتج أن يتكلم عن الأول وهو كونه بغير سبب إذ ما مر له في المسألة الطبيعية مغن عن ذكر شئ هنا ، بقي الثاني وهو كونه بسبب وهو ما يريد أن يتكلم عنه هنا بقوله « وأما الثاني » .